يوميا ت عربي في بلاد الياكوزا
يكون السفر عادة مدعاة للخوف والحذر والرهبة. فالمسافر ينزل أرضا غير أرضه وبيئة غير التي خبرها واعتاد عليها. فيكون وضعه الأمني هشا, مما يجعله عرضة لكل عمليات النهب والسرقة والاستغلال. والمسافر يتعب ويظطرب ويضل الطريق ولا يجد سندا يحميه, ليكون بذلك لقمة سائغة وهدفا سهلا للمحتالين واللصوص والأشرار. و لذلك فقد أكرمه الاسلام بأن مكنه رخصا في العبادة وحرضه على اتيانها كما جعل دعاءه مستجابا حتي يعود الى أهله.
والمغترب في أرض اليابان يتملكه حال وصوله شعور بالغربة وتنفذ مشاعر الوحشة والوحدة والاغتراب الى أعماق روحه خاصة وهو يرى الغرابة والعجب في كل ما حوله. ولكنه ما ان ينخرط في دواليب الحياة هناك حتى يكتسب شعورا بالطمأنينة والأمان قد لا يجده في بلده, بل في مدينته وحارته بين أهله وجيرانه الأقربين. وثمة أمر يكاد يكون محل اجماع و حقيقة يقر بها الجميع من أهل البلد ومن الأجانب المقيمين أو الزائرين لليابان. وهي أن هذه البلاد واحة من واحات السلم والأمان. تأمن فيها على نفسك ومالك وعرضك. انه بلد غير ذي زرع ولا ضرع أكرمه الله بأن جعله بلدا امنا مطمئنا ورزق أهله من ثمرات العلم والمعرفة والتكنولوجيا.
لعل تاريخ هذه الأمة التي عاشت في عزلة تامة عن العالم قرونا من الزمن وطريقة تفكير اليابانيين وانضباطهم الاجتماعي وعقليتهم التي تمجد العمل والبذل هي التميمية السحرية التي تحمي الناس هنا شر الجريمة والعنف والسرقة واللصوصية. تميمة تطرد الشر من قلوب الناس, وتساهم في خلق مناخ من السلم والأمن والأمان تنعم به البلاد. ولقد قرأت مرة أن عدد جرائم القتل المسلح في اليابان كلها على مدار السنة تساوي عدد القتلي في عطلة نهاية احدى مايسمى بالأسابيع السوداء في مدينة نيويورك. و من الملفت أنه عندما تحصل جريمة قتل ما في اليابان فانها تكون الخبر الرئيس في نشرات الأنباء فتحجب الأضواء عن أنباء النشاط الحكومي والسياسي حتى في النشرة الرئيسية لهيئة التلفزيون الوطني NHK. ويصبح كل الحديث وكل التحاليل والتصريحات تتعلق بهذا الحدث. وفي بعض الأحيان يدوم الأمر أياما متواصلة على تلك الحال, وكان ذلك يشعرني بالملل الشديد خاصة انني كنت اراقب تغطية الاعلام الياباني لأحداث الوطن العربي حيث يموت المئات يوميا في فلسطين والعراق ولا يلقون مثل هذا الاهتمام.
من خلال مشاهد حياتك اليومية هنا تستنتج أن أهل البلد طيبون مسالمون. فالجريمة والسلاح والعنف والسرقة والسطو مصطلحات لا تحضر في اذهانهم لأن البلد يكاد يخلو من ذلك. و لا أكاد أرى تحفظا واعتراضا على هذا الرأي الا من أصدقائي الصينيين والكوريين الذين دأبوا على استحضار أخبار البشاعات التي ارتكبها اليابانيون خلال الحرب العالمية الثانية. فبعض هؤلاء الاسيويون لا يملون من ترديد أن اليابانين اليوم يتظاهرون بالوداعة لأنهم في حالة ضعف. وأنهم لو تمكنوا من أسباب القوة والتفوق لعادوا الى عدوانيتهم ووحشيتهم الرهيبة. ويجتر الصينيون خاصة مقولتهم الشهيرة بأن اليابان هي مجموعة جزر ولذلك فان الثقافة اليابانية هي ثقافة بحرية مبنية على الانغلاق و الصراع والعدوانية والعنف. أما الثقافة الصينية فهي ثقافة أرضية ولذلك فهي مسالمة وتؤمن بالتعايش والتوافق والسلام. أما كوريا فهي شبه جزيرة ولذلك فهي في منزلة بين المنزلتين. و هذه قوالب جاهزة و أحكام على النوايا لم أكن اصدقها بل انني الان نادم على الليالي الطويلة التي أضعتها معهم في هذا الجدل العقيم.
أول ما يثير الانتباه هنا, هو أن البيوت والمنازل في اليابان غير محصنة بالمرة. فلا أبواب ونوافذ حديدية ولا جدر من الاسمنت المسلح ولا صفارات انذار ولا كلاب حراسة ولاغيرها. وقد أقمت أول ما نزلت بكيوطو في بيت تقليدي عجيب باعتبار أن بابه من خشب كأنه ورق مقوى ولا يغلق بمفتاح ولا بقفل. ويمكن لأي طفل صغير أو قل لأي قط شارد أن يقتحمه دون عناء. أي أن المرء ينام وكأنه على قارعة الطريق. في البداية لم أستسغ الامر اطلاقا ولم أكن اشعر بالأمان على نفسي و أموالي وجواز سفري خاصة. وقد أودعت كل ثمين كنت أحمله في درج المكتب في الجامعة وكان هو أيضا بلا مفتاح. بدأ الأمان يدب في نفسي شيئا فشيئا وتبدد الخوف عندما بدأت أتعرف على الناس في الحي و في الجامعة ألمس رفعة أخلاقهم و أرى طريقة حياتهم وأكتشف أن أبواب بيوتهم ومحلاتهم مثل باب منزلي.
هنا في بلاد الشمس المشرقة تتجول الصبايا امنات مطمئنات حتى ساعات الليل المتأخرة دون أن يتعرضن لأي معاكسة أو مشاكسة أو اعتداء. وأطفال المدارس الصغار يركبون وسائل النقل العمومي دونما مرافقة ولايتعرضون للخطف أو الأذى. واذا نسيت حقيبتك أو حافظة أوراقك أو هاتفك في مقهي أو قطار أو حتى في دورة مياه, فعد وستجد كل شيء في مكانه. فان لم يكن في مكانه ففي أقرب مكتب للشرطة. هكذا تسير الأمور عامة, والسر في ذلك أن الياباني تربي على قيم الانضباط وتقديس العمل وعلى أن الكسب لا بد أن يكون مقترنا بالبذل والجهد. ولذلك فهو يزهد في اللقطة ويترفع عن اللقم السائغة.
ولا أذكر أنني رأيت اثنين يتبادلان العنف ابدا في هذه البلاد, فلا خصومات ولا صياح ولا شتائم ولا قلة أدب. كيف يمكن أن نفسر ذلك في مدينة مكتظة مثل طوكيو؟ هل لأن لا أحد له فائض من الوقت كيف يضيعه في الخصومات والخلافات والعراك؟ ربما, ولكن لا شك أن التنظيم الهرمي للمجتمع ومتانة النسيج الاجتماعي تمد الناس باليات لحل خلافاتهم بطريقة سلمية. والمعروف عن اليابانيين ميلهم الى الصيغ التوافقية في كل شيء سواء في السياسة أو التجارة أو الحياة العامة. ومن جهة أخرى فان من يخرج عن العقد الاجتماعي بالاجرام او العنف أو غير ذلك فان المجتمع ينبذه ويلفظه ويدينه بكل قوة. كما أنه يقال أن القوانين السجنية تفرض على المساجين حياة قاسية و انضباطا لاحد له. ولا نقصد هنا بالقسوة الانتقام أو التشفي كما كان صديق لي يتندر بأن المجرم في اليابان يسجن واقفا طيلة فترة اقامته السجنية نظرا لضيق الامكنة في بلد الاكتظاظ والزحام. ولكن الثابت هو التركيز على الانضباط الشديد و تعويد المسجون على البذل والجهذ والعمل من خلال النشاطات العملية والثقافية بحيث لا يكون للسجين لحظة فراغ واحدة. وقد قرأت مرة شهادة سجين فرنسي في اليابان يمكن تلخيصها في قولنا الذي سبق.
ومن مظاهر متانة النسيج الاجتماعي وهي كذلك من علامات الرقي و التحضر والأمان أنك لا تكاد تصادفا متسولا أو مشردا في البلاد. وخلال سنوات اقامتي هناك لم يصادفني متسول أو شحاذ واحد, لا في وسائل النقل ولا في الأسواق ولا في الشوارع. كما أن وجود المشردين شبه معدوم برغم الأزمة الاقتصادية التي عرفتها اليابان خلال فترة الركود في التسعينات من القرن العشرين حيث تراجعت نسبة النمو بشكل كبير وفقد عدد كبير من اليابانيين وظائفهم ووجدوا انفسهم في ضائقة مالية كبيرة. ولا أكاد أذكر أنني صادفت مشردين باستثناء عدد قليل ممن كنت أمر بهم في محطة ا “شنسايباشي” في طوكيو . ومن المعروف عن أغلب مدن الغرب كثرة المتسولين والمتشردين الذي يعروفون في فرنسا ب: SDF وتعني “من غير مأوى ثابت”. وهم الاف مؤلفة في باريس وحدها وبما أنني كنت من سكان الحي اللاتيني في باريس فقد كنت أمر بالعشرات منهم كل ليلة. وكان منظرهم في ليالي الشتاء الباردة يدمي القلب حيث يجتمع عليهم الجوع والبرد فيموت منهم من يموت في الليالي القارسة. أما الشحاذون والمتسولون فحدث ولا حرج, وهنا مثلا في مدينة بون العاصمة القديمة لألمانيا يعترضني في طريقي من البيت الى الجامعة كل يوم أكثر من شحاذ وشحاذة. وفي المدن الكبرى ينشط الشحاذون في وسائل النقل كالقطارات وعربات المترو حيث يلقون خطبهم المسجوعة القصيرة ثم ينطلقون لقطف ثمار استعطافهم للناس. وفي الحقيقة فان التسول والتشرد بصفة عامة لا يخلو من عنف وتهديد للسلم والأمان حيث أن منظر المشردين بزجاجات خمرهم يترنحون في الشوارع و المحطات الكبرى م ينزع عنك كل شعور بالأمان.
في أغلب مدن أوربا العامرة لايأمن المرء على نفسه, ففي حي بارباس في باريس رأيت بأم عيني عمليات سلب ونشل في عز النهار. فالتزمت الحيطة كلما ذهبت الى هناك بأن لا أحمل معي سوى بضعة يوروات. و كنت أفضل التبضع باستعمال بطاقة الائتمان المصرفي. و للأمانة فحتى في جادة الشانزيليزيه الشهيرة في باريس فانني قد وجدت في أحد الليالي يدا غريبة في جيبي. كان يومها الزحام شديدا وكنت متحسبا لمثل هذا الصنيع, فلم يجد اللص الا أن يسحب يده ويجرب حظه مع شخص اخر. انه أمر منتشر في أوربا حتى انك عادة ما تستمع لنداءات عبر مضخمات الصوت في المحطات الكبرى تحذرك من النشالين.
ولأن الياباني متعود على مناخ الأمان والأمن والثقة في بلده فان السائح الياباني عادة ما يكون
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |